مصر سياسة

رأي | انتصار حزب العمال لن يدفع المملكة المتحدة إلى التخلي عن تبعيتها المطلقة للولايات المتحدة


كان حزب العمال، الذي تولى السلطة في المملكة المتحدة بعد فوزه الساحق في الانتخابات العامة في الرابع من يوليو/تموز، يخوض حملته الانتخابية تحت شعار “حان وقت التغيير”. وعند دخوله داونينج ستريت يوم الجمعة الماضي، تعهد رئيس الوزراء كير ستارمر بـ “عصر من التجديد الوطني بعد 14 عاما من حكم حزب المحافظين”.

ورغم الشعار المؤثر والتعهد المتفائل، فإن تصريحات الحزب خلال الانتخابات وتوجيهاته تشير إلى أن سياساته لن تشكل بداية جديدة أو فصلاً جديداً للمملكة المتحدة. والتحدي يكمن في الموازنة بين المصالح الاستراتيجية وواشنطن، وهو ما يؤدي إلى استمرار تبعية بريطانيا للنفوذ الأميركي في مختلف المسائل.

إن حزب العمال ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها “حليفاً لا غنى عنه”، مؤكداً على ما يسمى “العلاقة الخاصة” من أجل الأمن والازدهار. وهو ملتزم بالتعاون مع الولايات المتحدة على أساس القيم والمصالح المشتركة، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والدفاع والاستخبارات. وبالتالي، هناك تباين ضئيل بين حزب العمال وحزب المحافظين بشأن القضايا الرئيسية المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمنية، بما في ذلك أوكرانيا وغزة والعلاقات مع الصين والعودة المحتملة إلى الاتحاد الأوروبي.

لقد وعد كل من حزب العمال والمحافظين بتقديم الدعم الثابت لأوكرانيا، على الرغم من ارتفاع تكاليف المعيشة في بريطانيا. ومع ذلك، بدأ الدعم الشعبي لمساعدة أوكرانيا في التراجع. ومن الجدير بالذكر أن الوعد الانتخابي للحزب بالاعتراف بدولة فلسطينية لا يزال يعطي الأولوية لأمن إسرائيل على المدى الطويل.

وفيما يتعلق بالوضع في غزة، وفي أعقاب الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والحرب الإسرائيلية التي تلتها في قطاع غزة، أعرب المسلمون البريطانيون عن استيائهم من الموقف المتحيز للسياسيين البريطانيين، وخاصة أولئك المنتمين إلى حزب العمال، تجاه إسرائيل. ووجهت الانتقادات إلى زعيم حزب العمال كير ستارمر بسبب دعمه الأولي لأفعال إسرائيل ودعوته أعضاء الحزب إلى الامتناع عن التصويت على اقتراح وقف إطلاق النار في مجلس العموم.

وعلى الرغم من الوعد الانتخابي الذي قطعه الحزب بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، فإنه لا يزال ينظر إلى هذا باعتباره وسيلة لضمان أمن إسرائيل على المدى البعيد. وليس سراً أن بريطانيا، مثل حليفتها الولايات المتحدة، تدعم إسرائيل بكل ما لديها من قوة.

ورغم أن التحول قد يحدث داخل وستمنستر، فإن التوجه العام المؤيد لإسرائيل في الحزب يظل على حاله. ومن المتوقع أن يتضاءل نفوذ حزب أصدقاء إسرائيل داخل حزب المحافظين، في حين قد يتصاعد الموقف الأكثر انتقاداً لنتنياهو. ولكن من غير المرجح أن تتغير السياسات الأساسية بشكل كبير.

وفيما يتعلق بالعلاقة مع الصين، أعلن حزب العمال عن خطة لـ”نهج استراتيجي طويل الأجل” للتعامل مع علاقة بريطانيا بالصين. وأكدوا على الحاجة إلى التعاون والتنافس والتحدي حسب الضرورة. ومن المثير للاهتمام أن هذا يعكس الاستراتيجية التي تتبناها الولايات المتحدة تجاه الصين. ومن المثير للقلق أن بريطانيا تميل إلى الاستسلام للضغوط من واشنطن في الأمور المتعلقة بالصين. ومن الأمثلة على ذلك عندما استسلمت المملكة المتحدة للضغوط للحد من تقدم الصين في التكنولوجيا الحساسة ذات العواقب المحتملة على الأمن القومي، واستسلمت لمطالب واشنطن بتقييد مشاركة هواوي في شبكة الجيل الخامس.

أما فيما يتصل بعودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وهي مسألة بالغة الأهمية، فقد أوضح الحزب موقفه بوضوح تام بشأن هذه القضية. وعلى غرار حزب المحافظين، رفض حزب العمال بشدة فكرة إعادة انضمام المملكة المتحدة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي، فضلاً عن أي اتفاق من شأنه أن يسمح بحرية تنقل المواطنين داخل الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، فإن حكومة حزب العمال سوف تهدف إلى بناء علاقات اقتصادية أقوى وتعزيز الثقة مع الاتحاد الأوروبي، والدعوة إلى “إعادة ضبط” العلاقات بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي.

في الواقع، فإن المشاعر الحالية للجمهور البريطاني تجاه الخروج من الاتحاد الأوروبي واضحة للغاية حيث يصفون على نطاق واسع “بريكست” بأنه خطأ فادح. ويتضح هذا من خلال العديد من التقارير الإعلامية والمظاهرات العامة في وسط لندن وساحة البرلمان. وتؤكد هذه الأحداث على تأثير الانفصال عن الاتحاد الأوروبي على الطبقة العاملة والشرائح الأقل ثراءً في المجتمع. وعلى الرغم من ذلك، من المتوقع أن تستسلم حكومة المملكة المتحدة للضغوط من واشنطن، التي تهدف باستمرار إلى إبعاد بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي. أدت هذه الضغوط في النهاية إلى انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي وسوقه الموحدة، مدفوعًا بتأكيدات ترامب على التوصل إلى اتفاق اقتصادي شامل لتعويض الخسائر المتكبدة. ومع ذلك، مع هزيمة ترامب أمام بايدن، يظل هذا الوعد غير محقق، مما أدى إلى أسوأ أداء للاقتصاد البريطاني بين دول مجموعة السبع.

وعلى هذا فإن الانتخابات البريطانية لن تسفر عن أي تغيير ملموس في العديد من القضايا الخلافية، على النقيض من الانتخابات الفرنسية. فقد أصبح من الواضح أن بريطانيا خاضعة لسياسات الولايات المتحدة. والواقع أن التغطية المحدودة التي قدمتها وسائل الإعلام الأميركية للانتخابات البريطانية، مقارنة بالتغطية الواسعة للانتخابات الفرنسية، تعكس اليقين السائد في الولايات المتحدة بأن بريطانيا سوف تمتثل لرغباتها، بصرف النظر عن استياء الشعب البريطاني أو رضاه.

د. مروة الشناوي – أكاديمية وكاتبة



المصدر