مصر سياسة

رأي| هل تعيد الانتخابات الأميركية والفرنسية رسم خريطة القوة في يد بوتن؟


تسلط الأضواء حاليا على الانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث يتنافس بايدن وترامب بشراسة على الفوز. وفي حين أن هناك توقعات بأن نجاح ترامب قد يخفف التوترات مع الرئيس بوتن بسبب المصالحة السياسية الأخيرة بينهما، هناك انتخابات محورية أخرى تجري ولها أهمية متساوية في تشكيل المشهد العالمي الدقيق وسط الصراع الروسي الأوكراني. هذه الانتخابات هي الانتخابات البرلمانية الفرنسية المبكرة، التي دعا إليها ماكرون، وهو القرار الذي يعتبره العديد من المحللين السياسيين الفرنسيين خطوة جريئة، حتى أنهم وصفوه بأنه “مقامرة”. ونظرا لمكانة فرنسا المؤثرة في الاتحاد الأوروبي، ومقعدها في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وقدراتها العسكرية الكبيرة كقوة عالمية، فإن هذه الانتخابات تحمل أهمية عالمية تكاد تكون بنفس القدر مثل المواجهة المتوقعة بين بايدن وترامب في نوفمبر/تشرين الثاني.

من المؤكد أن هذه الانتخابات برلمانية. وحتى لو تولى رئيس وزراء جديد منصبه، فسيستمر ماكرون في العمل كرئيس حتى عام 2027. ومع ذلك، من الأهمية بمكان التأكيد على أن النظام الفرنسي رئاسي بالاسم فقط. إن المصدر الحقيقي للسلطة الدستورية يكمن في الغالب داخل البرلمان ورئيس الوزراء ومجلس الوزراء. وإذا تحالفوا مع حركة سياسية منفصلة عن الرئيس، فإنهم يمتلكون سلطة اتخاذ القرارات.

وتكتسب هذه الانتخابات أهمية كبيرة بسبب النتيجة المحتملة لفوز حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف. وقد أسس جان ماري لوبان هذا الحزب في عام 1972، ثم تولت مارين لوبان قيادته فيما بعد، ويمثله حاليا جوردان بارديلا. وتتضمن الأجندة السياسية للحزب وقف الهجرة غير الأوروبية، وتعزيز القيم التقليدية، ودعم المنتجين المحليين، والدعوة إلى استقلال فرنسا عن الاتحاد الأوروبي والمنظمات الدولية الأخرى.

ولقد سلطت زعيمة الحزب مارين لوبان الضوء باستمرار على هذه الأجندة السياسية في خطاباتها طوال حملتها الرئاسية ضد ماكرون. ويسعى هذا الحزب إلى تقويض الاتحاد الأوروبي من خلال تنفيذ سياسات تفضل المواطنين الفرنسيين على المقيمين الأجانب. كما أوضحت مارين لوبان أنها تريد من فرنسا الانسحاب من الذراع العسكري لحلف شمال الأطلسي، الذي تعتبره أداة للهيمنة الأميركية.

والأمر الأكثر أهمية هو أن موقف مارين لوبان من روسيا والصراع الأوكراني حازم وواضح. ففي خطاب ألقته في عام 2023، أكدت أن الشاغل الأساسي لها، إذا تولت قيادة فرنسا، سيكون المصالح الفضلى للبلاد. وتعهدت ببذل كل ما في وسعها للعمل نحو حل سلمي للصراع، لأنها لا ترى أي بدائل أخرى قابلة للتطبيق. وأعربت لوبان عن قلقها من أن انتصار روسيا أو أوكرانيا من شأنه أن يخلف عواقب وخيمة، مما قد يؤدي إلى صراع أكبر. وأعربت عن معارضتها لاستمرار توريد الأسلحة إلى أوكرانيا، معتقدة أن ذلك يديم الحرب بدلاً من السعي إلى مفاوضات سلمية. كما انتقدت لوبان سياسات إيمانويل ماكرون، وعزت الصراع المستمر إلى أخطاء سياسية. وعلى نحو مماثل، أكد بارديلا، المرشح لمنصب رئيس الوزراء، دعم حزبه لكييف مع التأكيد على أهمية وضع حدود واضحة لمنع المزيد من التصعيد مع موسكو.

ويزعم العديد من منتقدي الحزب أن موقفه المؤيد لبوتن هو نتيجة للدعم المالي من روسيا، مشيرين إلى قرض كبير من بنك روسي وآخر من بنك مرتبط برئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، حليف بوتن. ومع ذلك، فإن جهود الحزب لإعطاء الأولوية للمصالح الفرنسية، والسعي إلى حل سلمي للصراع في أوكرانيا، ووقف المساعدات المالية التي تستنزف الاقتصاد الفرنسي، تتوافق بشكل جيد مع مشاعر الشعب الفرنسي. وقد سلطت العديد من التقارير الإعلامية الضوء على تساؤلات المواطنين الفرنسيين حول تخصيص مليارات اليورو لكييف دون نتائج ملموسة، والصراع المستمر، وخسارة الأرواح، وإهدار أموال دافعي الضرائب.

وتؤكد استطلاعات الرأي هذا الاتجاه بين السكان الفرنسيين، حيث كشف استطلاع للرأي نُشر في 21 يونيو 2024 عن مستوى كبير من الدعم لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، برئاسة مارين لوبان، قبيل الانتخابات التشريعية الفرنسية، حسبما ذكرت وكالة بلومبرج للأنباء. كما أشار استطلاع آخر إلى انخفاض في نسبة تأييد الرئيس إيمانويل ماكرون. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة إيفوب فيدوسيال لراديو سود أن 38٪ من المشاركين يؤيدون فوز التجمع الوطني.

لا شك أن قرار ماكرون بالدعوة إلى انتخابات مبكرة بعد خسارته الساحقة أمام حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في الانتخابات البرلمانية الأوروبية يمكن اعتباره مقامرة محفوفة بالمخاطر. إن ثقة ماكرون في الناخبين الفرنسيين و”قدرتهم على اتخاذ قرارات مستنيرة لأنفسهم وللأجيال القادمة دفعته إلى اتخاذ هذا الاختيار”، على حد تعبيره. ومع ذلك، فإن حقيقة أن شعبية ماكرون في أدنى مستوياتها على الإطلاق تثبت أن فهمه لآراء الشعب الفرنسي واتجاهاته بعيد كل البعد عن الدقة.

قد لا تتمكن مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني، من تحقيق النصر في الانتخابات البرلمانية المقبلة المكونة من جولتين والمقرر إجراؤها في 30 يونيو/حزيران و7 يوليو/تموز. وقد لا يتولى مرشحها الثاني لرئاسة الوزراء، جوردان بارديلا، منصب رئيس الوزراء. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يتكهن بالعواقب المحتملة إذا فاز ترامب في الولايات المتحدة، بالنظر إلى علاقته ببوتين، وإذا انتصر حزب التجمع الوطني في البرلمان الفرنسي. لا شك أن مثل هذا السيناريو سيكون مفيدًا لروسيا. إن الرغبة في السلام والاستقرار والفعالية من حيث التكلفة مشتركة بين الشعب الأمريكي وجميع الدول الأوروبية. ومن المؤسف أن هذا يبدو أن ماكرون وبايدن يتجاهلانه. وبالتالي، قد يظهر بوتن باعتباره المستفيد الأول من قرار ماكرون المتسرع بالدعوة إلى انتخابات مبكرة.

د. مروة الشناوي – أكاديمية وكاتبة



المصدر